فخر الدين الرازي

113

تفسير الرازي

المسألة الأولى : المراد أن كل مكلف فهو عند الرجوع إلى الله لا بد وأن يصل إليه جزاء عمله بالتمام ، كما قال : * ( فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره ) * ( الزلزلة : 7 ، 8 ) وقال : * ( إنها أن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله ) * وقال : * ( ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئاً وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين ) * ( الأنبياء : 47 ) وفي تأويل قوله * ( ما كسبت ) * وجهان الأول : أن فيه حذفاً والتقدير جزاء ما كسبت والثاني : أن المكتسب هو ذلك الجزاء ، لأن ما يحصله الرجل بتجارته من المال فإنه يوصف في اللغة بأنه مكتسبه ، فقوله * ( توفى كل نفس ما كسبت ) * أي توفى كل نفس مكتسبها ، وهذا التأويل أولى ، لأنه مهما أمكن تفسير الكلام بحيث لا يحتاج فيه إلى الإضمار كان أولى . المسألة الثانية : الوعيدية يتمسكون بهذه الآية على القطع بوعيد الفساق ، وأصحابنا يتمسكون بها في القطع بعدم الخلود ، لأنه لما آمن فلا بد وأن يصل ثواب الإيمان إليه ، ولا يمكن ذلك إلا بأن يخرج من النار ويدخل الجنة . ثم قال : * ( وهم لا يظلمون ) * وفيه سؤال وهو أن قوله * ( توفى كل نفس ما كسبت ) * لا معنى له إلا أنهم لا يظلمون ، فكان ذلك تكريراً . وجوابه : أنه تعالى لما قال : * ( توفى كل نفس ما كسبت ) * كان ذلك دليلاً على إيصال العذاب إلى الفساق والكفار ، فكان لقائل أن يقول : كيف يليق بكرم أكرم الأكرمين أن يعذب عبيده فأجاب عنه بقوله * ( وهم لا يظلمون ) * والمعنى أن العبد هو الذي أوقع نفسه في تلك الورطة لأن الله تعالى مكنه وأزاح عذره ، وسهل عليه طريق الاستدلال ، وأمهله فمن قصر فهو الذي أساء إلى نفسه ، وهذا الجواب إنما يستقيم على أصول المعتزلة ، وأما على أصول أصحابنا فهو أنه سبحانه مالك الخلق ، والمالك إذا تصرف في ملكه كيف شاء وأراد لم يكن ظلماً ، فكان قوله * ( وهم لا يظلمون ) * بعد ذكر الوعيد إشارة إلى ما ذكرناه . الحكم الثالث : من الأحكام الشرعية المذكورة في هذا الموضع من هذه السورة آية المداينة . قوله تعالى * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُم كَاتِبٌ